الحياة مش مفاوضات..!!

بقلم : ساري جرادات710976_230624090403675_527748690_n

أسير محرر

رام الله – فلسطين

22-12-2012

في الوقت الذي كان يهرول ويختبئ قراصنة العصر الحالي إلى الملاجئ، وتحت إطارات السيارات وفي حاويات القمامة وخلفها، ومع توالي الانهزامات النفسية والمعنوية والسياسية والعسكرية لقادة جيش الاحتلال، كانت فلسطين تغني وتهتف للحرية والعدالة والمساواة، فتزينت سماؤها التاريخية بالصواريخ العابرة القارات، أذابت الخطوط الوهمية الفاصلة بين قارتي آسيا وأفريقيا، ولبست القدس حلتها العتيقة المليئة بالعز والمجد واللازورد، في الوقت الذي كان فيه قراصنة العصر ومصاصي الدماء غارقين في حساباتهم الموغلة بالبدايات الأولى للقتل والخراب والتدمير لكل ما هو فلسطيني وإنساني، وعلى الرغم من التجهيزات الأمريكية عالية الدقة، والمتمثلة في الدعم المالي والعسكري لهم، إلا أن الأسلحة والإمدادات والقبب الورقية والوهمية والطائرات الأمريكية الصنع لم تستطع حمايتهم من الرد الطبيعي للمقاومين البواسل والمناضلين الميامين على جريمة اغتيال القائد أحمد الجعبري، فربما كانوا يتوقعون أن الرد سيكون بقذيفة هاون أو صاروخ عبثي أو مزيدٍ من مؤتمرات الشجب والإدانة والاستنكار والبيانات التي تصنع جعجة لا تسمن أو تٌغني من جوع الحرية والعودة والكرامة والتعطش لعناق الزيتون والمفتاح شيء، وسواء أكانوا عالمين أو غير عالمين فإن العقل الفلسطيني مستمر بالاختراع والاستيراد والتهريب، يشهد عليه أحد عشر كوكبا والشمس والقمر والعالم في رحلة الصيف والشتاء المدججة بكل أنواع الحصار والملاحقة والخنق والتضييق ليصل الأمر مؤخرا بالتعهد والتوقيع من أطراف تدعي عروبيتها للصديقة أمريكا والشقيقة إسرائيل بمنع تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة، ومن قبله كان وجه الديكتاتورية السابق يجهز ويبني لجدار فولاذي ويمدهم بغاز لطهي طبخة السم وقتل غزة كما قتل إرهابيو العشرية السوداء أطفال الجزائر ولكن.

لكن غزة وقفت كما هي دوما عربية كنعانية فلسطينية المعنى والتفسير؛ لأنها تحوي شعبا جبارين، فذهب البحر يجر أذيال الهزيمة والانكسار وبقيت هي عالية الجبهة والجبين وأثبتت للسلف الصهيوني أنه لن تتحقق ابداً أمنية رئيسه المرجوم رابين اللعين بإغراق غزة في البحر لارتباطها في المفهوم الصهيوني بقتل شمشون الجبار، ولم يكن على علم ودراية بورود مفاجآتها ومعجزاتها وإعجازاتها في كتاب الله أو كتابي الجريمة والعقاب وشيفرة دافنشي، فواصلت وتقدمت غزة تشق طريقها نحو الفجر وحيدة، رغم مرارة اللجوء الأول والرحيل المتعدد الأشكال والألوان وبلايين الأطنان المكدسة من الجيوش العربية والأرتال العسكرية التابعة لها، لتثبت غزة وأهلها وشعبها وربعها أن هذا الكيان أوهن من بيت عنكبوت يفتش عمن يحميه ويأويه ويغطي على جرائمه ويشرعنها التي لن نجد لها وصفاً في القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة ضدنا.

انتهى القصف والقتل بالجملة، ولن يمثل جنود الاحتلال أمام محكمة لاهاي الدولية أو حتى نسمع كلمة واحدة في هذا الجانب من السادة الوزراء العرب، لتكشف الهدنة مرة أخرى مدى عجز النظام العربي الرسمي رغم امتلاكه لكل تلك الإمكانات الهائلة من النفط والمال والجيوش ولا يستخدمها كالمطلوب منه، في تحقيق مصالحه أو مصالح الأمة العربية، خاصة بعد كشف غزة زيف الدعاية الصهيونية بجيشها الذي هزم وسيهزم كل مرة إلى أن يرفع شبلٌ من أشبالنا أو زهرة من زهراتنا علم فلسطين فوق مآذن صفد وكنائسها قبل القدس، فلاحقته السواعد الشريفة في البر والبحر والبر وغرفة النوم والموت والمعسكر، وعدلت غزة وبدلت الكثير من المفاهيم والمعاني؛ ليعاني العدو من الردع المضاد، بينما النظام الرسمي العربي يكتفي بوصف نفسه بالنعاج (مع الاحترام لمعشر النعاج).

إن سقوط الهالة الملائكية والمقدسة التي نصبها جيش الاحتلال لنفسه أمام ثلة من المقاومين الذين امنوا بعدالة قضيتهم وشعبهم وحقهم في التقدم نحو كل فلسطين واستعادة الحقوق كاملة التي كفلتها لهم الشرائع السماوية والأرضية، وكشفت ارتباك وتخبط مطابخ قادة الاحتلال، ومدى هشاشة هذا الكيان الذي قام على وعد ظالم أعطى من لا يملك ما لا يستحق، لتتلاشى وتختفي أصوات الكيان وتهديداته للدول الإقليمية من الجحيم الذي يتوقعه ولا يتوقعه أن فكر بحماقة الهجوم على أي دولة، والذي من المحتمل الأكيد يكلفه وجوده.

تواطؤ النظام الرسمي العربي الرسمي وشهوة بعض الأسماء والأطراف الفلسطينية في السعي بين القاهرة والدوحة كلفنا ثمنا باهظا في التسابق لقطف الثمار التي بالكاد أينعت، وفتح المجال أمامنا للتفكير في إمكانية التنبؤ والتكهن بولادة أوسلو عصرية جديدة سيدفع ثمنها الشعب الفلسطيني سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا، يحد من مدى رؤية أطفال غزة مدن عسقلان والمجدل والقدس، ويتغاضى الطرف الفلسطيني تحت ظلال الدولار والسلطة في فهم المعادلة اليقينية المتمثلة بالوحدة والمقاومة والصمود هي الطريق الوحيد الكفيل بالوصول إلى كل فلسطين، خاصة بعد توحد وريدي الوطن الأيسر والأيمن وتعاضد الضفة مع غزة في الدفاع عن الحق الفلسطيني كان له تأثير بالغ الأهمية بالتشويش على حسابات مجرمي “دولة” الاحتلال وراداراتهم ومعادلاتهم، وانتشار حملات التضامن والمساندة والتعاطف مع غزة لتعم العالم أجمع، ويتوحد الإعلام المحلي الفلسطيني إلى الحد الكبير في الفضح والكشف ومساندة غزة المصلوبة بين السماء والطارق، لكن مؤتمرات الانتصار وخطابات الدعايات الانتخابية والرقص على جثث الشهداء وأحلام شعبنا لم يكن ببال من ينصّبون أنفسهم قادة علينا هذه المعطيات وتلك المتغيرات…

الهدنة التي جرى الاتفاق عليها تعيد تاريخ القضية الفلسطينية للحديث مرة أخرى عن التفرد في اتخاذ القرار الفلسطيني، وبات الحديث عن رفع الحصار أو فتح المعابر وإدخال البضائع والتنقل والحركة الحديث الأساسي، وهذا ما يسمى السلام الاقتصادي وهذا ما لا نريده، كوننا نسعى ونعمل ونريد الوصول إلى الحرية الأكيدة والدولة العتيدة والقدس الأبدية وفلسطين من رأس الناقورة إلى رفح، ومن وجهة نظري الشخصية أن فلسطين من المحيط إلى الخليج لا من البحر للنهر كما قالها الشهيد الخالد ناجي العلي، هو وحده ناطقٌ بلسان حالي وممثلٌ شرعيٌ لي، يُعبّر عن تطلعاتي وأمنياتي وانعتاقي من الاحتلال وجرائمه.

إن الأحداث الأخيرة المتمثلة في الانتصار المعنوي والنسبي الذي حققته المقاومة في غزة، والانتصار السياسي في الأمم المتحدة يعني أنه من الملح والضروري والواجب الوطني والأخلاقي تتويج وطننا وتكريمه بتحقيق الوحدة الوطنية الحقيقية وإنهاء الانقسام وحالة التشرذم والتخبط التي يعيشها الكل الفلسطيني من أسفل الهرم حتى أعلاه يتمثل بعقد مؤتمر حقيقي على أرض الوطن يشمل كل الأطياف ويضع إستراتيجية واضحة قائمة على أساس الحقوق الوطنية والسياسية والمصيرية الفلسطينية لا الحقوق الإنسانية فقط، ووضع خطط واضحة ومكشوفة لمسار المفاوضات والكف عن الكثير من المهزلات والتقاعصات والتراهات والركض وراء السراب اللارومنطيقي، فالحياة مش مفاوضات فقط ولكن..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: