الملح والماء لم يعد سلاح الأسرى وحدهم…

بقلم : ساري جرادات710976_230624090403675_527748690_n

كاتب صحفي

21/2/2013

فلسطين – رام الله

   الجو ملبد ومنضب ومليء بالتفسيرات والتناقضات ، أكاد اجزم أن هذا الجو الكئيب يجعلني اشعر بإحباط ما ، الجو المتقلب الذي يتراكم على النافذة من حولي ويتجول في أرجاء غرفتي ويجعل المنفضة تمتلئ بأعقاب السجائر الزهيدة الثمن يقسمني إلى شطرين منفصلين غريبين كوجه القمر الذي يتلاشى في رائحة تراب هذه الأرض التي تنتظر صلاحا آخر ، يقسمني بين المفاوضات السلمية والتنسيقية ، وخطيأة حماس التي لا تغتفر كونها لم تشاور وتأخذ برأي وخبرة كبير المفاوضين الفلسطينيين المخضرم والعالم بأحجام وأنواع المفاوضات وأشكالها والطوابع الأصلية من باب الحرص والمصلحة الوطنية العليا كي لا نسمع ونشاهد كشفا لمستور آخر ذات مساء سيصفع بقضيتنا مرة أخرى ، بسبب شهوة السلطة التي لا تغني ولا تسمن من جوع في رحلة الشتاء والصيف بين مدريد والبيت الأبيض وباريس ، لأكتفي بالقهوة رفيقة وصديقة صالحة للاستعمال ، تحميني من الخذلان على مر العصور ، ويتجدد يقيني بفلسطينيتي من غير هوية ، فتصيبني حالة موت سرير سريالية ، بعدما فقدت كل شيء وأصبحت أسناني تصطك ببعضها ، تلعن الواقع المميت الملقى على رصيف القلق والترقب والانتظار ، فألمح وجه حنظلة فأعدل عن إحباطي لأتيقن أن القلم والبندقية والريشة أدوات دفاع عن قضية رسم معالمها الشهداء الأكرم منا جميعا ، وربما ستصدر لائحة اتهام خرافية بحق رسام الكاريكاتير سباعنة بحجة التحريض والدعوة إلى العنف ، متناسين انه ذاق الأمرين في رحلة الذهاب والإياب نحو فلسطين .

   صديقي حمودة لم يزيل غبار الفحم عن معصميه ، جاء مسرعا يروي لي طريقة اعتقاله التي لم تحصل بعد ، لكنه يتنبأ بها بشكل يومي هستيري ، ذنبه الوحيد انه ولد لأبوين فلسطينيين في ارض يهز سامر وأيمن وجعفر وطارق من جذوع نخيلها فيتساقط عليهم الأمل والسلام والمجد ، فيرهبون سجانهم من إرادتهم الطليقة التي تجتاز كل حدود أبوابهم وأقفالهم وزنازينهم ، ويقول لي بشيء من الاستغراب عن اجتياح قوات الاحتلال المدججة بكل أنواع التدمير والقتل ومشتقاته لمدينة نابلس التي تقع في دولة فلسطين ، وينبت ويزهر من بين حيطان ياسمينها قصص فرسان الليل ويامن وامجد وباسم واحمد التي لا تعد أو تحصى ، فيستبيحون كل الدولة التي حددها جدار الفصل العنصري ورسم معالمها ترانسفيل الاستيطان وقسمتها الحواجز الاحتلالية وفرقها الاسبست العديم الطعم والرائحة واللون ، فيبدو لي أن درس صديقي أيسر الصيفي لم يعد الأخير كما كتب في روايته الهادئة التي تأخذك في جولة من الألم والحسرة والحنين وأنت تتجول في شوارع مدينة السيد المسيح ( عليه السلام ) ، ربما تأخرت بالاتصال به ليعيد التفكير بعنوان روايته ، وصديقي يوسف يا أبتي يخبرني بان سموم الاحتلال لن تستطيع اقتلاع رائحة الياسمين من حارات نابلس المترامية الأطراف والأغصان ، فتمسي علاقة يوسف بالياسمين جدلية لا تختزلها كتب المكتبة الشعبية ، فرحت أغض البصر والطرف وأتقمص شخصية الشيطان بالسكوت عن مئات الملايين من الشواقل التي تصرف على الأجهزة الأمنية التي نجحت في رسم خطة محكمة لقوات الاحتلال وباشرت بالانسحاب من الزمان والمكان هناك في بلاد ما بين النهرين كنوع من إبعاد الشبهة وعدم إطالة اللسان على المقامات العليا ، وعلى الضفة الأخرى معالي الشيخ الأخضر كان قد أفتى بتحريم خرق الهدنة ، وشيخ سلفي من بعيد أجلكم الله ، يطل علينا من تونس الخضراء فيفتي بتحريم العمليات الاستشهادية وكفى بنفسي ضجرا ، تعبت قريحتي ، لكنني لم اختنق .

صديقي المسكين ثائر لاحظ صمتي وكبتي وضجري فطلب مني أن اكتب ، وثائر الذي تخرج من الجامعة يحمل شهادة البكالوريوس في القانون ، انضمم إلى مئات آلاف الزملاء في نقابات العاطلين عن العمل لا الأمل في واقع يقوده وزير يسافر في العام الواحد عشرات المرات ، وربما يتجاوز رقما خرافيا يكاد لا يصدق ، لهذا سأغض الحزن والأسى عن عدد السفريات والجولات في العواصم البيضاء والسوداء بحثا عن عمليات نفخ وتكبير الكرش وشد الوجه وتنظيف البشرة وغيرها ، ليتجنب ثائر مقصلة وخرافة التطوع والدورات وبرامج التدريب التي لا تخدم سوى أصحاب العروش والنعوت اللعينة .

صديقتاي الفلسطينيتان نسرين ويارا اللتان لم تتذوقا قثاء وثوم وبصل وعدس أرضهن في نابلس ورام الله ، وربما بسبب وجدان هذا الواقع المقيد بفعل التقاعص والاتكالية والتشرذم الذي يسيطر على طاقاتنا لن تفلح نسرين ويارا بالجلوس تحت التين والزيتون وفي طور سنين ، فيختصران الدرس ويكتفين بالكف عن الكلام في انتظار الفجر وسماع أغاني العودة وتخصيب يورانيوم العودة ، ونغم تترك رفح قليلا لتتلقى العلاج المراد في مصر الجديدة في عرض النيل بعد حرمانها من العمل في المساحة التي خصصها الله لها في وطنها لأسباب يعرفها زهر الرمان والأقحوان ، وتدخل أسماء في غرفة الانتظار المكثفة في انتظار رفع علم الحرية من غير أصفاد وأغلال لعهد بات منثور في سراب الدرس الأخير ، وصديقي لؤي ترك ملعب حارتنا مبكرا وسافر إلى عالم مؤلم ، والمهاجر طارق يخفف من غربته بتقبيل صور ابنه الصغير وسام الذي يكبر بعيدا عن حضنه ، ولم اعد أرى رشاد الذي يعمل مع أخوة الكدح في محجر بسبب التعب الذي يقع على كتفيه الصغيرتين .

الملح والماء لم يعد سلاح الأسرى وحدهم ، من الممكن أن يتحول عمال وفلاحي وفقراء وخريجي الشعب العربي الفلسطيني إلى الاعتماد على هذا السلاح الذي اثبت قيمته ونجاحه ودخل موسوعات الأرقام وهيئات الأمم وأروقة الصليب الأحمر كالرمح ، يرفع رأسه بصناعيه ومخترعيه ، فلا رواتب مدفوعة للبسطاء والطيبين من هذا الشعب ، وعشرات من المناشدات التي تنتشر وتمتلئ بها حواسنا الخمسة ، وبفضل البلديات والديمقراطيات تحولت رام الله من الانتيكا الى الفيزا كارد وتحقق حلم سكانها بأن يروها شقراء كما بعثها الله أول مرة ، وما زال الرصيف المقابل لبسطات مليء بالمتسولين الذين أقف مطولا بين مطرقة العوز والحاجة وسندان المهنة والاتكال وتغض الجهات الحكومية والمعنية الحديث عنهم .

Advertisements

One response

  1. واقعنا الذي يبدو شديد المرارة لن يتغير ما لم نتغير نحن

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: